التعليم كتجربة إنسانية بين مقاومة الجهل وصناعة الوعي
ندوة تربوية تفتح نقاشاً معمقاً حول دور المدرسة والجامعة في بناء العقل النقدي
نظّم مجتمع أصوات تربوية التابع لـ الائتلاف التربوي الفلسطيني، يوم الخميس 22/1/2026 ، ندوة تربوية فكرية عبر تطبيق زووم بعنوان:
"التعليم كتجربة إنسانية بين مقاومة الجهل وصناعة الوعي"، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والمربين والفاعلين التربويين من مؤسسات فلسطينية وعربية
افتتاح يضع التعليم في قلب السؤال الإنساني
افتتحت الندوة وأدارتها أ. رائدة الشعيبي، التي قدّمت مدخلاً فكرياً اعتبرت فيه أن التعليم لم يعد مسألة تربوية تقنية، بل أصبح فعلاً إنسانياً وسياسياً وأخلاقياً، في ظل تصاعد التغوّل العالمي على الحقوق والقيمة الإنسانية.
وأكدت أن التعليم في السياق الفلسطيني يشكّل أحد أهم ميادين مقاومة الجهل الممنهج، وبناء الوعي الجمعي القادر على مساءلة الواقع، لا الاكتفاء بالتكيف معه.
التعليم في زمن تراجع القيم الإنسانية
وفي كلمته، شدّد د. رفعت الصبّاح، رئيس الائتلاف التربوي الفلسطيني، على أن التعليم يواجه اليوم تحديات مركبة، في ظل سياسات دولية تعيد تعريف الإنسان بوصفه مورداً اقتصادياً لا كائناً صاحب حق.
وأوضح أن الدفاع عن الحق في التعليم لا ينفصل عن الدفاع عن الكرامة الإنسانية، مؤكداً أن المدرسة والجامعة مطالبتان بدور يتجاوز نقل المعرفة إلى إنتاج وعي نقدي يحصّن المجتمع من التجهيل والتطبيع مع الظلم.
التعليم كمشروع تحرري وبناء للوعي
من جانبه، قدّم أ.د. عماد عبد اللطيف، أستاذ البلاغة وتحليل الخطاب في جامعة قطر، قراءة معمقة للتعليم بوصفه مشروعاً تحررياً، محذراً من خطورة فصل العملية التعليمية عن سياقها الاجتماعي والسياسي.
وبيّن أن التعليم الذي يُفرغ من بعده النقدي يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة، داعياً إلى تفكيك الخطابات التعليمية التي تتخفى خلف شعارات الحياد والجودة بينما تعمّق اللامساواة وتُقصي الوعي.
المدرسة والجامعة في مواجهة بنية الجهل
وفي مداخلته، تناول د. فؤاد سلمان، مشرف اللغة العربية في مديرية بيت لحم، دور المدرسة والجامعة في مواجهة الجهل بوصفه بنية ثقافية وفكرية لا مجرد نقص في المعلومات.
وأشار إلى أن التلقين وإقصاء السؤال يهيئان بيئة خصبة لإعادة إنتاج الجهل، مؤكداً أن المؤسسات التعليمية مطالبة بإعادة الاعتبار للتفكير، والحوار، وبناء شخصية المتعلم القادرة على النقد والمساءلة.
التعلم وأنماط المعرفة: من التلقي إلى الفهم
بدوره، ناقش د. أحمد خولي، رئيس قسم اللغة العربية ومدير دائرة اللغات في جامعة النجاح الوطنية، إشكالية أنماط التعلم السائدة، منتقداً هيمنة نموذج الحفظ والاستظهار.
وأكد أن جوهر التعلم يكمن في الانتقال من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها، ومن التلقي السلبي إلى الفهم والتحليل، بما يعزز قدرة المتعلم على الربط بين المعرفة وواقع مجتمعه.
كسر الصمت التربوي ومسؤولية المعلم
وفي مداخلة تفاعلية، ركزت أ. سالي شطارة، معلمة الرياضيات في مدرسة الفرندز، على إشكالية وهم هو الحياد في التعليم، معتبرة أن الصمت التربوي تجاه قضايا المجتمع هو موقف غير بريء.
وشددت على أن مسؤولية المعلم لا تقتصر على شرح المنهاج، بل تمتد إلى تمكين الطلبة من التفكير النقدي، وربط المعرفة بالسياق الحياتي، وتحويل الصف إلى مساحة آمنة للحوار.
متابعة ودعم فني
وتولت أ. عبير سمودي من الائتلاف التربوي الفلسطيني متابعة مجريات الندوة وتقديم الدعم الفني والتنظيمي، بما أسهم في ضمان سلاسة الحوار وتفاعل المشاركين.ه
توصيات عملية نحو تعليم مقاوم للجهل
واختُتمت الندوة بجملة من التوصيات التي أكدت على الدور المركزي للمدرسة والجامعة في مقاومة الجهل وصناعة الوعي، أبرزها:
إدماج التفكير النقدي في التعليم المدرسي والجامعي.
الانتقال بالتعليم من الحفظ إلى التحليل والفهم.
ربط البحث العلمي بقضايا المجتمع واحتياجاته الفعلية.
إشراك الطلبة في مبادرات توعوية مجتمعية.
تدريب المعلمين على التربية النقدية وأساليب التعليم التحرري.
إعادة تصميم المناهج وطرائق التدريس وفق رؤية نقدية مدعومة بإرادة سياسية.
تمكين المتعلمين من إنتاج المعرفة كأداة للتحرر وبناء العقل النقدي.
تعزيز القدرة على التمييز بين الخطاب المتحرر والخطاب التلاعبي.
تحويل المعرفة إلى ممارسة عملية تعالج قضايا المجتمع.
مواجهة التطرف الفكري عبر تعلم مفتوح يربط المعرفة بالسياقات الحياتية.
وأكد المشاركون أن هذه الندوة شكلت مساحة حوار جادة لإعادة الاعتبار للتعليم كفعل إنساني تحرري، قادر على صناعة الوعي، لا إعادة إنتاج الجهل.