تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس بالضرورة رأي الائتلاف التربوي الفلسطيني.
في اليوم العالمي للتعليم، وتحت شعار "موّلوا التعليم… لا للحرب", تبرز الحاجة إلى رفع شعار موازٍ يعبّر بوضوح عن الموقف الأخلاقي والحقوقي: لا لصنّاع الحروب، لا لمنتهكي الحق في الحياة، ولا لمروّجي خصخصة التعليم. فالشعوب المضطهدة لا تصنع الحروب، بل تخوض نضالها المشروع لنيل حقوقها، وتعلن رفضها لها باعتبارها الخاسر الأكبر في كل صراع.
ينبع هذا الطرح من واقع لم يعد من الممكن وصفه بالاستثنائي، بل أصبح حالة شبه دائمة، تتفاوت حدّتها لكنها لا تنقطع. وفي ظل هذا السياق المركّب، تبرز قضية التمويل كإحدى القضايا المركزية التي لا يمكن تجاوزها، خاصة في قطاع التعليم.
وعليه، تفرض الضرورة البحث الجاد في تنويع مصادر التمويل، لا سيما على المستوى المحلي، مع تفحّص المبررات الدافعة لذلك، سواء في دولة فلسطين أو في عدد من الدول العربية، بما يضمن استدامة التعليم كحق أساسي، ويحميه من التحوّل إلى سلعة خاضعة لمنطق السوق.
إن التعليم حق إنساني وضرورة مجتمعية للنهوض بالمجتمع، ويعد استثماراً تقوم به الدولة لتحقيق العدل التربوي وتكافؤ الفرص التعليمية والاستفادة من قدرات أبنائها بغض النظر عن إمكاناتهم المادية. واستناداً إلى المادة "26" من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والذي يشير إلى أن "لكل شخص حق التعليم، ويجب أن يوفر التعليم المجاني على الأقل في مرحلتيه الابتدائية والأساسية ويكون التعليم الزامياً". وكذلك استناداً إلى أهداف التنمية المستدامة والتي تبنتها الدول الأعضاء كافة في الأمم المتحدة الأهداف السبعة عشرة في عام "2015" بوصفها جزءاً من جدول أعمال التنمية المستدامة "2030" الذي حدّد خطة مدتها "15"عاماً لتحقيق تلك الأهداف. وقد ركز الهدف الرابع على التعليم والذي يهدف إلى "ضمان التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع وتعزيز فرص التعليم مدى الحياة".
إلا أن هناك تحديات تواجه تنويع مصادر التمويل في الوطن العربي بشكل عام وفلسطين بشكل خاص.
ومن أهم التحديات التي تواجه التعليم في عالمنا العربي قضية تمويل التعليم التي هي مسؤولية الحكومات بالدرجة الأولى، وعند النظر إلى الوضع القائم للتمويل الحكومي في البلاد العربية نجده يتجه نحو الانخفاض لتزايد الطلب على التعليم بسبب النمو السكاني السريع، وبذلك أصبح التمويل الحكومي لا يكفي متطلبات جودة التعليم المنصوص عليها في الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة، مما يستدعي التنويع في مصادر التمويل لمساندة التمويل الحكومي خاصة في ظل الركود الاقتصادي الذي يعاني منه العالم ابتداء من جائحة كوفيد، الحروب كالحرب الأوكرانية الروسية، والحروب الداخلية كما نشاهد الآن في السودان واليمن والعراق والوضع الاقتصادي في لبنان والاحتلال الصهيوني في فلسطين وقد لا يكون انتهاء بحرب غزة أو الحرب الإيرانية الإسرائيلية الامريكية . ولذلك لا بدّ من البحث عن مصادر تمويلية لضمان جودة التعليم ومساعدة الحكومات في الإنفاق الحكومي على التعليم. إلا أن البعض يرى أن حل هذه المعضلة يكمن في خصخصة التعليم،والاعتماد على مصادر غير حكومية لدعم التعليم وتكمن خطورة هذه الطروحات في إعفاء الحكومات تدريجيا من مسؤوليتها الأساسية وهي توفير التعليم المنصف الجيد الشامل للجميع .
وهنا لابد من طرح مجموعة من التساؤلات في ظل شعار هذا العام- مولّوا التعليم لا للحرب - وهي تساؤلات قد تفتح الباب لإجابات متعددة من صناع القرار والمجتمع المدني :
- ما هي أهم مصادر تنويع التمويل في فلسطين بين الواقع والمأمول؟
- هل التمويل الحكومي كافٍ لتحقيق الهدف الرابع. من أهداف التنمية المستدامة؟
- هل خصخصة التعليم يتعارض والإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مجال التعليم؟
- هل تنوع مصادر تمويل التعليم يخدم الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة ويدعم الحق في التعليم للجميع؟
- هل هناك علاقة بين تمويل التعليم والتدخل في السياسات التعليمية وعلاقتها بحرية الفكر؟
لا بد للمهتمين في القطاع التربوي وتمويله أن ينطلقوا من الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة، وانطلاقاً من الهدف الرابع كأحد الحقوق الأساسية للتعليم العام المجاني والشامل مدى الحياة للجميع وخاصة الأطفال والنساء وذوي الإعاقة والمحرومين، حيث أن الإنفاق على التعليم يعتبر ضرورة اقتصادية كون الاستثمار في التعليم يعود بالفائدة على التنمية الاقتصادية. وهناك إجماع دولي بتوفير ما لا يقل عن 20% من ميزانيتها الإجمالية أو 6% من الناتج المحلي الإجمالي على التعليم. على أرض الواقع - كما تشير اليونسكو – إلى أن ما ينفق على التعليم يقل عن 10% من الموازنات العامة - باستثناء دول الخليج -، وبالتالي، انخفاض تمويل التعليم يؤثر سلباً على تحسين جودة التعليم. ولذلك لا بدّ من البحث عن طرائق لتنويع مصادر التمويل لسد الثغرة في التمويل الحكومي لما في ذلك من أثر في السياسات التعليمية لإحداث تطورات على الأصعدة كافة ـ سواء الثقافية أو الاقتصادية ما يتيح الفرصة للتطور العلمي وتنمية مهارات المتعلمين، فالعلاقة طردية بين تمويل التعليم وجودة مخرجاته. عانت فلسطين من الإضرابات في القطاع التعليمي الحكومي، ووكالة غوث وتشغيل الفلسطينيين الأونروا وذلك لعدم قدرة الحكومة على دفع كامل مرتبات المعلمين وتلبية مطالبهم الحقوقية لقلة الموارد الحكومية التي يتحمل الاحتلال الصهيوني الجزء الأكبر من الأزمة المالية بسبب اقتطاع أموال المقاصة مما يؤدى إلى إرباك العملية التعليمية. وتظهر هذا الحاجة الملحة للبحث عن مصادر تمويلية محلية لسد العجز التمويلي الحكومي، بالإضافة إلى أسباب أخرى كالعدالة في توزيع الميزانية العامة بين القطاعات المختلفة.
يقول باولو فريري "إن التربية إما أن تكون للتدجين أو للحرية" أي بمعنى أن تجعل الفرد حراً ومستقلاً أو تقوده إلى التبعية والخنوع.
وكذلك يشير "الأغا، 1997" إلى فرضية تقول "إنك إذا تحكمت بما يدخل وعي الشعب تحكم هذا الوعي ومنتوجه" وسنذكر فلسطين بشكل عام والقدس بشكل خاص حيث يتدخل التمويل التعليمي في السياسات التعليمية، إن القدس تحديداً ونتيجة لتمويل التعليم فيها بشكل شبه كامل من قبل الاحتلال الصهيوني أدى ذلك إلى التدخل في السياسات التربوية فقد عمل الاحتلال الصهيوني على أسرلة قطاع التعليم، وألحق المدارس في القدس بما يسمى بلدية الاحتلال وتمت الهيمنة والسطوة على تعليم المقدسين بهدف خلق شباب فاقد لهويته الوطنية والقومية. إنّ عدداً محدوداً من مدارس القدس يخضع للأوقاف الإسلامية ومدارس الأونروا والتي تم إغلاقها بقرار صهيوني .
إنّ التدخل في السياسات التعليمية يهدد الهوية الثقافية واللغوية. اليونسكو وضعت أربعة مبادئ لتحقيق التوازن بين الدول النامية والدول المتقدمة، وفي مقدمة هذه المبادئ احترام الخصوصية الثقافية وحرية التعبير وحق الوصول إلى المعلومات وبناء القدرات من خلال ضمان جودة التعليم فأين هي الخصوصية الثقافية لطلابنا في القدس وهل السياسات التعليمية التي ينتهجها الاحتلال يرتبط بضعف التمويل لجهاز التعليم المدرسي المقدسي حيث أن مدارس الأوقاف والأونروا ينطبق عليها نظام الرواتب حسب وزارة التربية والتعليم الفلسطينية. وهذا الدخل لا يقارن بما يتلقاه المعلم المقدسي الذي يتبع مدارس بلدية الاحتلال حيث يحصل على ميزات تحفيزية وحقوق اجتماعية وثقافية، عدا عن الراتب المرتفع إذا ما قورن بما يحصل عليه المعلم التابع لوزارة التربية الفلسطينية - الرواتب في فلسطين غير منتظمة بسبب الأزمة التي يختلقها الاحتلال الصهيوني حيث يقتطع من أموال المقاصة بحجة دعم فلسطين للأسرى في سجون الاحتلال - إن الوضع المعيشي في القدس مرتفع التكاليف لكثرة الضرائب ولا يستطيع المقدسي الإيفاء بالتزاماته المالية لذلك يتجه المعلمون إلى العمل في مدارس تابعة لبلدية الاحتلال، وهنا لا بد أن نذكر بأن أولياء أمور الطلاب أيضاً يشجعون أبناءهم للالتحاق بمدارس البلدية المجانية ذات التجهيزات المميزة، ولا ننسى في هذا المقام تضييق الاحتلال في منح تراخيص بناء مدارس فلسطينية جديدة في القدس أو توسيع وترميم البناء المدرسي القائم في ظل النمو السكاني المتزايد وبالتالي النقص مستمر في توفير المختبرات والملاعب والغرف الصفية.. الخ حين أن اسرائيل وعلى لسان وزير ما يُسمى شؤون القدس قد خصص (20) مليون شيكل لترميم مدارس القدس التي تطبق المنهاج الإسرائيلي.
إن فرض التمويل الإسرائيلي المرتبط بالخضوع للمنهاج الإسرائيلي يمس بالحق في المساواة في التعليم إنهم يفرضون سياساتهم التعلمية لتشويه وعي الطالب الفلسطيني ضاربين عرض الحائط بحق الشعب الفلسطيني في التعلم وفق مناهجه بعيداً عن السياسات التي تنتهجها بلدية الاحتلال ووزارتها.
مما سبق، يتضح أن الإنفاق الحكومي الصهيوني على التعليم والبنية التحتية للمدارس في القدس ودفع الأموال الطائلة لتمويل التعليم وتوفير مدارس مجهزة وفق معاييرها التي هي في الواقع الأفضل تجهيزاً مقارنة بمدارس الفلسطينيين قد سارت في المنحى المخطط له من قبل الاحتلال لإقصاء الرواية الفلسطينية وتثبيت الرواية الصهيونية بأحقية إسرائيل في الأرض من خلال مناهج مشوه تخدم السياسات التعليمية الصهيونية، وهذا ما يستدعي البحث عن مصادر متنوعة للتمويل للمساهمة في دعم التعليم والحيلولة دون التدخل في السياسات التعليمية من قبل المحتل. من هنا يدعو البعض إلى خصخصة التعليم الذي يهدد المساواة الاجتماعية ويحرم الطلاب الأكثر فقراً من حقهم في تعليم تتوفر فيه تكافؤ الفرص .
ومع أن البعض يرى أن خصخصة التعليم تحسن الكفاءة من خلال استخدام تقنيات الكترونية وتوظيف المعلمين الأكثر قدرة على التعليم والمنافسة بين المدارس الخاصة يؤدي إلى مخرجات تعليمية ذات جودة عالية. إلا أن الخصخصة تواجه انتقادات كثيرة مثلاً هالديس هلست نائبة الأمين العام للمنظمة الدولية التربوية التي تضم مجموعة من النقابات التعليمية تنتقد خصخصة التعليم وتعتبر أن الدولة مسؤولة مسؤولية تامة عن ضمان التعليم وعدم المتاجرة به لأن الخصخصة تعمل على خلق مجتمع غير متوازن في الطبقات الاجتماعية، وأنها تهدف إلى ضرب التعليم إنّ توجه بعض الدول إلى خصخصة التعليم ترفع عن كاهلها المسؤولية الحقوقية لأبناء شعبها فالأصل الإنفاق على التعليم المجاني حق من حقوق الإنسان كفلته المواثيق الدولية.
إن ما تم التطرق إليه من تمويل للتعليم وما يُفضي إليه النقص في تمويل التعليم يدعونا إلى التفكير بجدية في البحث عن تنويع في مصادر التمويل المحلي، إن الدولة التي تخصص تمويلات مناسبة من الناتج الوطني لتمويل التعليم يشير إلى الاهتمام بجودة التعليم بالإضافة إلى البحث عن بدائل ومصادر تمويلية لدعم التمويل الرسمي. وعليه فإن المصادر التمويلية المجتمعية المحلية يمكن أن تتمحور حول مصادر منها:
- زيادة دولار واحد على كل فاتورة كهرباء، ماء، انترنت، هاتف خلوي، وتوضع في صندوق خاص لتمويل التعليم.
- ضريبة المعارف التي تجبيها البلديات في صناديق خاصة لتمويل التعليم ولا تستخدم إلا في تمويل التعليم.
- المسؤولية المجتمعية للشركات الخاصة التي تقدر أرباحها بملايين الدولارات حيث تتبنى بناء مدارس أو تجهيزها وعلى الحكومة تشجيع تلك الشركات بتخفيض الضرائب عن أعمالهم.
- اللجوء إلى التمويل الذاتي للمدارس من خلال نشاطات إنتاجية أي تحقيق منافع مادية مثل: تأجير مسرح المدرسة، أو الملاعب، أو تخصيص جزءاً من عائد المقصف المدرسي لتمويل التعليم الذاتي للمدرسة أي نظام المنتجة.
- الوقف الخيري: حيث يتم وقف أراضٍ أو مبانٍ لصالح التعليم من عائدات الوقف الخيري
6- المدرسة المنتجة وهي المدرسة التي تستخدم مواردها بكفاءة وفاعلية
كي يحقق هدف المدرسة المنتجة لا بدّ من التخطيط الواعي ومشاركة الإدارة والمعلمين والطلاب ودراسة حاجة المجتمع للمشروع المنفذ وأسلوب التسويق والحوافز ودراسة المعوقات لمحاولة تجنبها، مع الأخذ بعين الاعتبار معارضة أولياء الأمور للمدرسة المنتجة لاعتبارات منها انخراط الطلبة في أعمال انتاجية قد تؤثر سلباً على تحصيلهم الأكاديمي.
7-المؤسسات الخيرية: تشبه فكرتها الوقف الخيري الإسلامي بحيث تنفق على التعليم من ريع مشاريعها الإنتاجية
8-التبرع النقدي من الأفراد أو التبرع بأرض، مختبرات وملاعب وأدوات... الخ.
9-حملة توعية مجتمعية تحت شعار "ساهم بدولار من أجل مستقبل تعليمي واعد".
10- جمعيات الخريجين من كل مدرسة بحيث يساهم في دعم تمويل المدرسة من خلال عشاء خيري لصندوق دعم التعليم في المدرسة أو القيام بأي نشاطات أخرى تساهم في تمويل التعليم.
11-تمويل محلي من أولياء الأمور والمجتمع المحلي والبلدي والمجالس القروية فيما يسمى دعم تمويلي لدعم غرف المصادر والتي نجحت فلسطين من خلال برنامج مركز إبداع المعلم وتعاون وزارة التربية والتعليم في جعله جزءاً من تمويل التعليم المحلي .
معوقات الحصول على التمويل المحلي:
- المركزية في اتخاذ القرار وعدم منح الصلاحية لمدير المدرسة بالتصرف في استقطاب التمويل المحلي.
- عجز مدير المدرسة وإدارته عند التفكير في موارد إضافية محلية لدعم مدرسته مادياً.
- عدم التفاعل المجتمعي مع متطلبات التمويل المدرسي.
- الإحباط من تجاوب المجتمع المحلي مع المبادرات الداعمة للتمويل.
- الأزمات الاقتصادية مما يجعل الاهتمام بتمويل التعليم ليست من أولويات الممولين المحليين.
التوصيات:
- إن القطاع التعليمي يحتاج إلى زيادة الدعم الحكومي بزيادة النسبة المخصصة للتعليم من الموازنة العامة للدولة.
- العمل على التوزيع العادل لميزانية الدولة على القطاعات كافة، وعدم استحواذ قطاع على حساب قطاع آخر، أي العدالة في التوزيع.
- فرض رسوم إضافية على بعض المنتجات المحلية مثل السجائر والفواتير الشهرية... لصالح صندوق خاص لتمويل التعليم.
- تشجيع قطاع الشركات ورؤوس الأموال على المساهمة في تمويل التعليم من خلال تسمية بعض المدارس بأسماء متبرعين أو حوافز بتخفيض الضرائب الحكومية عن منشآتهم.
- تفعيل دور المدرسة المنتجة بمنح مدراء المدارس صلاحية البحث عن مصادر متنوعة للتمويل والابتعاد عن المركزية في القرارات.
- استخدام التقنيات الحديثة في التوثيق الإداري والمالي ما يوفر جهداً ومالاً من الإنفاق اليومي.
هذه المساهمة تمثل جزءا مما يمكن أن يضاف لتضافر جهود الجميع في عمل مشترك يسعى للنهوض في تعليم دمره من قرر أن استعباد الشعوب حق امتلكه أصحاب القوة والقرار .