تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس بالضرورة رأي الائتلاف التربوي الفلسطيني.
قبل أن تنتج الآلة معرفتنا
ثروت زيد الكيلاني
أدخل الذكاء الاصطناعي الإنسان إلى لحظة تتغير فيها علاقته بالمعرفة؛ فما كان يتطلب بحثاً وتجربة وتأملاً وحكماً بشرياً، أصبحت الآلة قادرة على معالجته وربطه وتوليد مخرجات جديدة منه، فيما يتقدم تطورها نحو التعلم والتحسين وتجديد أدائها بدرجة متزايدة من الاستقلال. ومع اقتراب المعرفة من أن تصبح قابلة للإنتاج والتجدد خارج الحاجة المباشرة إلى الإنسان، لا يعود السؤال التربوي كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي، وإنما أي إنسان نحتاج أن نبني كي يظل قادراً على السؤال والفهم والتحقق والحكم، وكي لا يتحول من صانع للمعرفة إلى مستهلك لما تنتجه الآلة؟
تأخذ المسألة في فلسطين بعداً خاصاً. فالمعرفة ليست مادة منفصلة عن المكان واللغة والذاكرة والسياق. وما لا نحفظه قد يضيع من إمكانات المعرفة المستقبلية، وما لا ننتجه قد يترك فهم واقعنا وأسئلتنا لمن ينتج المعرفة عنا. فالمجتمع الذي لا ينتج المعرفة التي يحتاج إليها يصبح أكثر اعتماداً على معرفة صاغ آخرون أسئلتها وبياناتها ومعاييرها.
لذلك يصبح التعليم أمام مهمة تتجاوز إعداد متعلم يجيد الوصول إلى المعرفة؛ إنه مطالب ببناء إنسان يستطيع أن يسأل، ويفهم، ويتحقق، ويحكم، ويتعاون، وينتج، ويتحمل مسؤولية ما يعرف وما يستخدم.
هنا تظهر المسألة الأعمق: كلما ازدادت قدرة الآلة على إنتاج المعرفة، ازدادت أهمية أن يملك الإنسان القدرة على مساءلة ما تنتجه، وأن يحدد ما يستحق أن يُسأل عنه، وأن يشارك في إنتاج المعرفة التي يحتاج إليها مجتمعه. ومن هذه الزاوية تصبح السيادة على شروط المعرفة امتداداً طبيعياً لبناء الإنسان والمؤسسة، لا شعاراً منفصلاً عن التعليم.
أولاً: من الذاكرة إلى المعرفة
لا تكفي رقمنة الوثيقة لكي تصبح جزءاً حياً من المعرفة، فقيمتها ترتبط بمصدرها ومكانها وزمنها، وبالسياق الذي يفسرها، وبالطريقة التي تحفظ بها وتوصف وتتاح، وبإمكان وصلها بمواد أخرى تساعد على قراءتها. وفي الحالة الفلسطينية، حيث ترتبط السجلات والذكريات بأماكن وأشخاص وتحولات تاريخية واجتماعية، يصبح حفظ السياق جزءاً من حفظ المعرفة نفسها.
ويلتقي الأرشيف بالتعليم من هذه الزاوية. فما تحفظه المؤسسات اليوم يمكن أن يصبح غداً مادة للتعلم والبحث، وما يتعلمه الطالب من فحص المصادر ومقارنة المعلومات والعودة إلى أصلها يحول المعرفة من مادة جاهزة إلى مجال للبحث والاكتشاف. وحين يتعامل المتعلم مع الوثيقة والصورة والشهادة والخريطة والبحث والمصدر الرقمي، فإنه يتعلم ما يتجاوز محتواها: كيف تتشكل المعرفة، وكيف تُفحص، وكيف يمكن إعادة بنائها؟
ويظل الكتاب المدرسي موردًا أساسيًا ومرجعية مشتركة، خصوصًا في بيئة تتفاوت فيها إمكانات الوصول إلى الأجهزة والإنترنت والكهرباء. وتعمل هذه المرجعية داخل بيئة تعليمية أوسع تتعدد فيها الموارد، من الوثائق الأصلية والمصادر المحلية إلى البحوث والموارد التعليمية المفتوحة وما ينتجه المعلمون والطلبة، وتكمن القيمة التربوية في قدرة المتعلم على التمييز بينها، وفهم طبيعة كل منها، وفحصها والحكم على موثوقيتها وملاءمتها للسياق.
ويحتاج الانتقال إلى هذه البيئة إلى تحول تدريجي ومدروس، يبدأ بتوسيع الموارد، وتجريب البدائل، والتطوير المهني للمعلمين، وبناء معايير للجودة والمراجعة، ثم توسيع ما يثبت ملاءمته. فالتطوير الحقيقي لا يستبدل أداة بأخرى؛ وإنما يوسع مجال التعلم، ويمنح النظام قدرة متراكمة على الاختيار والتصحيح.
ويظهر سؤال يتجاوز الأداة نفسها: من يحدد اتجاه هذا التحول، وبأي معايير، ولأي سياق؟ فاختيار التكنولوجيا والموارد التعليمية يعكس تصورًا عن التعلم، وعن دور المعلم، وعن الإنسان الذي نريد بناءه، ولذلك لا يمكن فصل القرار التقني عن القرار التربوي.
ثانيًا: استقرار التعليم وامتلاك قراره
تحتاج القدرة على الاختيار إلى منظومة مستقرة تملك الوقت والموارد والخبرة اللازمة للتجريب والمراجعة والتراكم. فالمعلم يحتاج إلى أمان وكرامة مهنية، والمدرسة إلى موارد يمكن الاعتماد عليها، والمؤسسة التعليمية إلى قدرة على مواصلة العمل دون أن يتحول التطوير إلى مشروعات متقطعة تبدأ بانتهاء تمويل وتنتهي بانتهائه. ومن هنا يصبح استقرار التمويل جزءًا من استقرار القرار التعليمي واستمرارية البناء المؤسسي.
ويكتسب الأمر في السياق الفلسطيني حساسية خاصة مع حضور الدعم الخارجي في تمويل جوانب من التطوير. فالتعاون الدولي يمكن أن يوفر موارد وخبرات مهمة، لكن أثره يتوقف على العلاقة بين التمويل والقرار؛ إذ قد لا يأتي التأثير في صورة توجيه مباشر، وإنما من خلال معايير التمويل ومؤشراته والنماذج التي تجد طريقها إلى الدعم، فتؤثر تدريجيًا في تحديد ما يُنظر إليه بوصفه أولوية.
وتظهر هنا مفارقة دقيقة: قد يكون القرار متاحًا رسميًا، بينما تضيق مساحة الاختيار عمليًا عندما تصبح بعض الحلول أكثر قابلية للتمويل من غيرها. وقد يكون نموذج ما ناجحًا في بيئة أخرى، لكنه يحتاج إلى إعادة نظر حين يدخل نظامًا له موارده واحتياجاته وسياقه الخاص. فمن يحدد إذن اتجاه التحول، وبأي معايير، ولأي سياق؟
تبدأ الاستقلالية من تحديد الحاجة قبل اختيار الحل، وفحص البدائل، وتكييف الخبرة الخارجية، وبناء الخبرة المحلية. وتزداد قيمة التمويل حين يترك وراءه معرفة ومهارة وبنية مؤسسية قابلة للاستمرار، لا مشروعًا ينتهي بانتهاء تمويله. فالمعيار ليس مقدار ما يدخل إلى النظام من موارد، وإنما مقدار ما يبقى فيه من قدرة على الاختيار والتعلم والتصحيح.
ثالثاً: المدرسة وبناء الإنسان
تتغير وظيفة التعليم حين تتغير طريقة إنتاج المعرفة. فالذكاء الاصطناعي يستطيع تقديم إجابات متعددة في وقت قصير، لكن الوصول إلى الإجابة لا يساوي امتلاك المعرفة. ما يزداد أهمية هو أن يعرف المتعلم كيف يسأل، وكيف يتحقق، وكيف يميز بين الدليل والادعاء، ويفهم حدود الأداة، ويراجع حكمه حين تتغير المعطيات.
وهنا تكتسب ما وراء المعرفة معناها الأعمق؛ فهي وعي الإنسان بما يعرف، وكيف يعرف، وما الذي لا يعرفه، وقدرته على مراقبة تفكيره وتوجيه تعلمه ومراجعة أحكامه، ثم نقل ما تعلمه إلى مواقف جديدة وتوظيفه في حياته. وفي عصر الذكاء الاصطناعي، حيث أصبحت الإجابة أسرع من البحث عنها، لا تكمن قيمة التعلم في الوصول إلى المعرفة وحده، وإنما في القدرة على فهمها وربطها بالسياق، واختبارها في الواقع، وبناء معنى منها يمكن أن يهدي الفعل والاختيار.
ويتغير دور المعلم تبعاً لذلك. فكلما اتسعت مصادر المعرفة، ازدادت حاجته إلى الخبرة المهنية في اختيار المصادر، وربطها بالسياق، وتصميم الخبرة التعليمية، ومساعدة المتعلم على التحقق والمقارنة والاستنتاج. وهذا يقتضي تطويراً مهنياً مستمراً يرتبط بالممارسة، ويمنح المعلم مساحة للتجريب والتأمل وتبادل الخبرة، ويصون مكانته بوصفه صاحب حكم تربوي.
وتظهر قيمة المدرسة بصورة أوسع بوصفها مؤسسة مجتمعية لبناء الإنسان. ففيها يتعلم التفكير والتعاون والاختلاف والإصغاء وتحمل المسؤولية، وتتكون شخصيته معرفياً واجتماعياً وعاطفياً وقيمياً. المدرسة التي تستحق المستقبل هي فضاء يتعلم فيه الإنسان كيف يعيش مع الآخرين، وكيف يختلف دون أن يفقد القدرة على الحوار، وكيف يحول المعرفة إلى فهم وفعل ومسؤولية.
وتتسع وظيفة المدرسة حين تتصل بالأسرة والجامعة والثقافة والمجتمع، فيصبح الواقع نفسه مجالاً للتعلم والبحث. وحين توثق المدرسة ممارساتها، وتتبادل خبراتها، وتحلل نتائجها، وتراجع قراراتها، تتحول الخبرة اليومية إلى معرفة مؤسسية. وعندها يصبح الإصلاح جزءاً من حياة النظام، لا مشروعاً يبدأ من جديد مع كل تدخل.
ومع تطور بعض الأنظمة الذكية نحو قدرات أكبر على تحسين أدائها والمشاركة في البحث وتطوير الأدوات، تزداد أهمية الإنسان القادر على توجيه المعرفة لا مجرد استخدامها. فالسؤال التربوي لن يكون فقط: هل يستطيع الطالب استخدام الأداة؟ وإنما: هل يستطيع تحديد السؤال الصحيح، وفحص ما تنتجه، وفهم حدودها، وتقرير متى يستخدمها ومتى يتجاوزها، وتحمل مسؤولية ما يترتب على ذلك؟
رابعاً: نحو سيادة شروط المعرفة
إذا كان الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والمعرفة، فإن الاستجابة الفلسطينية لا تتوقف عند زيادة حضور فلسطين في النماذج الرقمية أو حماية روايتها من التشويه. والسؤال الأعمق هو: هل نملك البيئة التي تجعل معرفتنا قابلة للحضور والإنتاج والتراكم؟
تبدأ هذه البيئة من أرشيف يحفظ الوثيقة في سياقها، ولغة تجعل المعرفة قابلة للاكتشاف، وبيانات يمكن استخدامها، وبحث ينتج معرفة، ومدرسة تبني القدرة على التفكير، ومعلم يمتلك أدوات الحكم، ومؤسسات تستطيع حماية هذه الموارد وتطويرها. هذه العناصر ليست ملفات منفصلة؛ إنها حلقات في بنية واحدة.
ومن هنا يصبح مفهوم السيادة على شروط المعرفة أكثر تحديداً. فهو لا يعني امتلاك الحقيقة أو الانغلاق عن المعرفة الإنسانية، وإنما امتلاك القدرة على المشاركة في تحديد ما ننتجه، وما نحفظه، وكيف نصفه، وبأي لغة نقدمه، وكيف نتحقق منه، وكيف نعيد استخدامه وتطويره.
وتزداد أهمية ذلك مع تطور الأنظمة الذكية. فالأنظمة التي تتعلم من كميات هائلة من البيانات والمعارف واللغات والبنى التصنيفية لا تعمل في فراغ؛ وما يدخل في تطويرها وتدريبها وتقييمها واستخدامها يؤثر في نوع المعرفة التي تستطيع إنتاجها وفي الطريقة التي تقدم بها هذه المعرفة. لذلك فإن غياب المعرفة المحلية لا يعني مجرد نقص في المحتوى؛ قد يعني غياب السياق الذي يجعل ذلك المحتوى قابلاً للفهم من داخل تجربتنا.
وهنا تصبح المفارقة أكثر وضوحاً: إذا لم ننتج المعرفة التي نحتاج إليها، سنظل أكثر اعتماداً على ما ينتجه الآخرون. ومع اتساع الذكاء الاصطناعي قد يتجاوز الاعتماد استهلاك النتائج إلى استهلاك بعض الشروط التي تحدد الأسئلة والبيانات والتصنيفات والسياقات التي تُنتج المعرفة من خلالها.
لهذا تصبح السيادة المعرفية قضية تربوية ومؤسسية بقدر ما هي قضية تقنية. فبناء الباحث، والمعلم، والطالب، والمدرسة، والجامعة، والأرشيف، والبنية الرقمية، والبيانات المحلية، والبحث التربوي، واللغة العربية، ليس مسارات متفرقة؛ إنها استثمارات في حضور المجتمع داخل المعرفة التي يتشكل بها مستقبله.
ولا تعني هذه السيادة الانغلاق أمام الخبرة العالمية، وإنما الدخول إليها من موقع أكثر قدرة على الاختيار والتكييف والمشاركة. نستفيد من التجارب، نفحصها في ضوء سياقنا، نعيد صياغة ما يلائمنا، ونبني من تجربتنا معرفة يمكن أن تعود إلى العالم. عندها يصبح الانفتاح مصدر قوة، لا طريقاً إلى التبعية.
ومن ثم فإن التحول المطلوب ليس سلسلة من المشروعات التقنية، وإنما نظام يتعلم من تجربته: تجربة تنتج معرفة، ومعرفة تدخل في القرار، وقرار يخضع للمراجعة. وعندما تتراكم هذه الدورة، تصبح المدرسة جزءاً من قدرة المجتمع على معرفة نفسه وصياغة مستقبله، ويصبح التعليم أحد أهم مواقع بناء السيادة على شروط المعرفة.
ختاماً، تتقدم قضية الإنسان على قضية الأداة. فالذكاء الاصطناعي سيواصل توسيع حدود ما تستطيع الآلة أن تعرفه وتنتجه، فيما تتجلى قيمة التعليم في قدرته على بناء إنسان يسأل ويفكر ويتحقق ويحكم ويبدع ويتحمل مسؤولية اختياراته.
وحين تتسارع قدرة الآلة على إنتاج المعرفة، تصبح السيادة مرتبطة بقدرتنا على إنتاج معرفتنا، وفهم شروطها، والمشاركة في تشكيل مستقبلها. ويبقى السؤال: هل نبني تعليماً يكتفي بإعداد الإنسان لاستهلاك المعرفة، أم تعليماً يمنحه القدرة على إنتاج ما لم يُنتج بعد؟