الإئتلاف التربوي الفلسطيني - نحو بوصلة وطنية للخطاب التربوي الفلسطيني

نحو بوصلة وطنية للخطاب التربوي الفلسطيني
نحو بوصلة وطنية للخطاب التربوي الفلسطيني

نحو بوصلة وطنية للخطاب التربوي الفلسطيني

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس بالضرورة رأي الائتلاف التربوي الفلسطيني.
 

نحو بوصلة وطنية للخطاب التربوي الفلسطيني
ثروت زيد الكيلاني

يكشف التعليم، في جوهره، عن الصورة التي يريد المجتمع أن يصوغ بها إنسانه ومستقبله؛ فهو يسهم في تشكيل الوعي، وبناء القيم، وتنمية القدرة على الفهم والاختيار والفعل، وصياغة علاقة الإنسان بذاته ومجتمعه وعالمه. ومن هنا يتشكل الخطاب التربوي بوصفه التعبير الفكري والقيمي والمعرفي عن معنى التعليم وغايته واتجاهه، وعن الخيارات التي تحدد ما نعلّمه، ولماذا نعلّمه، ولمن، وبأي شروط ومعايير، وبأي رؤية للإنسان والمجتمع والمستقبل. ومن ثم يبرز السؤال الذي ينبغي أن يسبق السياسات والمناهج والأدوات: أي إنسان نريد أن تبني التربية للمستقبل؟ وأي مجتمع نريد أن تسهم في بنائه؟ ومن يملك حق تحديد غاياتها ومعاييرها ومعارفها وطرائقها؟

وفي فلسطين، تتخذ هذه المسألة بعدا أعمق؛ إذ يتماهى التعليم مع شروط الوجود الوطني، ويواجه الاحتلال واستهداف التعليم وتدمير أجزاء من منظومته، إلى جانب تجزؤ جغرافياته وتفاوت شروط التعلم والفقر والتهميش واتساع الفجوات بين المتعلمين. وفي مثل هذا السياق، تصبح التربية فعلا في حماية الإنسان وصون هويته وكرامته وبناء قدرته على الفهم والاختيار والفعل؛ فيغدو التعليم فعل وجود وصمود، وتصبح قيمة الصمود في قدرته على التحول إلى معرفة ووعي وقدرة على صناعة الغد.

ومن هنا تنبع الحاجة إلى بوصلة وطنية تحدد غايات الخطاب التربوي وقيمه ومرجعياته، وتمنحه القدرة على توجيه المعرفة والقرار والممارسة، والتعلم من أثرها وتجديد مسارها.

أولا: بوصلة الخطاب

للخطاب التربوي وظيفة تتجاوز صياغة الرؤى والسياسات؛ فهو الإطار الذي تتحدد داخله الغايات والقيم والمفاهيم ومرجعيات المعرفة والرسائل والممارسة. فالرؤية تحدد ما نريد، والسياسة تنظم مسار الفعل، والمنهاج يترجم جانبا منه، والممارسة تختبره؛ بينما يمنح الخطاب هذه المستويات اتجاهها ومعناها واتساقها.

الطالب هو إنسان الغد وغاية التربية؛ ذات تتعلم وتفكر وتسأل وتختار وتشارك وتنتج المعرفة والمعنى. وتتحقق العدالة حين تتاح لكل متعلم شروط التعلم والنمو التي تستجيب لفرادته وقدراته وحاجاته ومساره. ومن هنا يغدو تفريد التعليم تعبيرا عن احترام الإنسان، ويغدو التعليم الدامج للأشخاص ذوي الإعاقة معيارا لجدية العدالة وشمولها (UNESCO, 2017). وتتحدد قيمة المعرفة في قدرة المتعلم على إنتاجها وتمحيصها وتحويلها إلى معنى وفعل، فيما تتصل السيادة المعرفية بامتلاك القدرة على تحديد ما نحتاج إلى معرفته، ومن ينتجها، وبأي معايير نحكم عليها، وكيف نوظفها في صناعة القرار والممارسة.

والمعلم قائد تربوي حكيم، صاحب معرفة وممارسة وحكم مهني، وشريك أصيل في بناء التعلم وإنتاج المعرفة وتجديد الممارسة؛ ودوره يتجاوز تنفيذ السياسات ونقل المحتوى إلى الإسهام في صناعة المعنى التربوي. ومن ثم فإن صون كرامته وحقوقه، وتأمين شروط عمل عادلة، واستقلال مهني مسؤول داخل الإطار التربوي الوطني، تمثل شروطا لازمة لتعليم ذي جودة. فالحق قرين الواجب؛ ومسؤولية المعلم المهنية والأخلاقية تقابلها حقوق مصونة وكرامة لا تنتقص (International Labour Organization [ILO] & UNESCO, 1966).

والمدرسة مؤسسة مجتمعية حية؛ بنية تربوية تتفاعل فيها المعرفة بالحياة، والتعلم بالمواطنة، والمدرسة بالمجتمع، ويتشكل فيها الإنسان في علاقته بذاته وبالآخر وبالمكان. وفي عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، تتسع قدرة هذه المؤسسة على التعلم والتفاعل والإنتاج، حين يوظفان في تعميق الغاية التربوية وتوسيع قدرة الإنسان على التفكير والإبداع والتحقق والفعل. وتبقى التكنولوجيا أداة في خدمة الإنسان والتعلم، فيما يتطلب الذكاء الاصطناعي وعيا نقديا بالبيانات والخصوصية والملكية والانحياز والمساءلة وشروط إنتاج المعرفة (Miao et al., 2021).

ثانيا: إنتاج الخطاب بالشراكة والسيادة والحوكمة

إذا كانت البوصلة تحدد اتجاه الخطاب، فإن السؤال التالي يتصل بمن يصنعه ومن يملك التأثير في تحديد غاياته وأولوياته ومساراته. وواقعيا، يتشكل الخطاب التربوي الفلسطيني أساسا داخل المؤسسة الرسمية ممثلة بوزارة التربية والتعليم، عبر أطرها ومستوياتها المختلفة، فيما تتبلور توجهاته الكبرى في دوائر صناعة القرار، ولا سيما الأطر واللجان المعنية بالسياسات، ثم تنعكس هذه التوجهات على مستويات الوزارة والميدان التربوي في صورة سياسات وبرامج وأطر وممارسات.

وفي حالات محددة، تتم الاستعانة بمؤسسات من المجتمع المدني والأهلي وخبرات منتقاة، كما تحضر أولويات المانحين وشروط التمويل وبعض التوجهات السياسية والفنية ذات الصلة من خارج الوزارة في تشكيل بعض الخيارات والأجندات. وهذا واقع يستحق أن يقرأ بوضوح، بما يضمن بقاء القرار التربوي الوطني قائما على أولوية المصلحة التعليمية الفلسطينية.

المسألة الجوهرية هنا تتصل بتوازن الحضور والتأثير. فالمعلمون والطلبة والأسر والجامعات والخبراء والمجتمع المدني والأهلي والفئات الأقل تمثيلا يحتاجون إلى حضور فعلي في قراءة الواقع، وإنتاج المعرفة، وبناء البدائل، ومناقشة السياسات، وتقويم نتائجها. وهنا تنتقل المشاركة من الاستشارة إلى الشراكة في إنتاج الخطاب والقرار، بما ينسجم مع الدعوة إلى المشاركة الأوسع في بلورة السياسات التعليمية وتنفيذها ومراجعتها (UNESCO, 2016).

وهنا تغدو الشراكة بنية تشاركية لإنتاج المعرفة والقرار التربوي. وتبقى مسؤولية الوزارة واضحة، فيما تتعزز جودة القرار وشرعيته عبر المعرفة والخبرة والمشاركة والمساءلة، ويُفتح المجال أمام تعدد الخبرات من دون تبديد المسؤوليات.

وتتجسد الحوكمة الرشيدة في المجال التربوي في وضوح الغايات والأدوار، واستناد القرار إلى الأدلة، وشفافية الخيارات والموارد، ومشاركة ذات معنى، ومساءلة عن النتائج، وقدرة مستمرة على التقويم والتصحيح والتعلم.

ومن شروط ذلك بناء ذاكرة تربوية وطنية حية تتجاوز حفظ الوثائق إلى توثيق السياسات والمناهج والممارسات والبحوث والخبرات والدروس، وتحويلها إلى تراكم معرفي يمكن التعلم منه والاستناد إليه في صناعة القرار وتجديد الخطاب. فلا سيادة معرفية بلا ذاكرة، ولا تعلم مؤسسي بلا تراكم، ولا قرار تربوي رشيد بلا معرفة تستند إلى هذا التراكم.

وفي هذا المجال يستطيع الائتلاف التربوي الفلسطيني أن يؤدي دورا نوعيا بصفته فضاء جامعا لمؤسسات المجتمع المدني والأهلي، يوسع المجال العام للنقاش التربوي، ويربط المعرفة بالمجتمع، والمجتمع بصناعة القرار، والميدان بإنتاج السياسات، ويسهم في بناء جسور الثقة بين الفاعلين.

ثالثا: تحويل الخطاب من الرؤية إلى السياسة والممارسة والأثر

يكتمل الخطاب حين يتحول إلى ممارسة قادرة على إحداث الأثر. ومن هنا، يغدو الخطاب التربوي الوطني مرجعية عملية لعمل الائتلاف ومبادراته وحملاته؛ تُقرأ من خلاله تحولات الواقع، وتُنتج المعرفة والأدلة، وتُرتب الأولويات، وتُبنى المواقف والبدائل والسياسات، وتُحرّك المناصرة والشراكات، وتُتابع النتائج ويُقاس أثرها.

وتتخذ المبادرة شكل الفكرة حين تدخل حيز الفعل، وتغدو الحملة أداة لبناء الوعي والتأثير، وتصير الشراكة مجالا لإنتاج الحلول، فيما تمنح المعرفة الموقف أساسه، ويفتح الموقف الطريق إلى السياسة، وتغدو السياسة ميدانا لاختبار الفكرة وتطويرها. ومن ثم تعود الممارسة إلى الخطاب بما تنتجه من خبرة ومعرفة؛ فتخضع النتائج للتقويم، وتُستخلص الدروس، وتُراجع الأولويات والخيارات في ضوء ما يكشفه الواقع، بما يبقي الخطاب قادرا على التعلم والتجدد والاستجابة للتحولات.

وهكذا تتكامل دورة العمل التربوي في مسار متصاعد يصل البوصلة بالمعرفة، والمعرفة بالأولوية والحوار، والحوار بالموقف والسياسة، والسياسة بالممارسة والأثر، ثم يعيد التعلم والتجدد بناء هذا المسار في ضوء الخبرة المتراكمة. وتمنح هذه الدورة الخطاب حياة مؤسسية متصلة، وتوسع وظيفة الائتلاف من المناصرة الآنية إلى بناء قدرة مجتمعية مستدامة على التفكير التربوي، وإنتاج المعرفة، والتأثير في القرار، وصناعة البدائل وتجديدها.

وفي هذا الإطار، تدخل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في صلب أدوات العمل: إنتاج الأدلة، وتحليل السياسات، وتوسيع المشاركة، وإتاحة المعرفة، مع معايير واضحة لحماية الخصوصية وحقوق الملكية، والتحقق من الموثوقية، ومساءلة التحيز، وإبقاء القرار الإنساني مسؤولا عن نتائجه.

والخطوة العملية الأولى التي يمكن أن يتخذها الائتلاف هي إطلاق مسار وطني تشاركي لبناء مرجعية للخطاب التربوي الفلسطيني، تُصاغ مع الفاعلين وتُختبر في الميدان، وتنبثق منها الغايات والقيم والمفاهيم والمعايير ومرجعيات المعرفة والرسائل، وتنتظم في خارطة طريق ذات أولويات وأدوار ومؤشرات أثر، تخضع للمراجعة الدورية في ضوء الممارسة والمعرفة والتحولات.

ختاما، التعليم الفلسطيني اليوم مدعو إلى خطاب يحوّل معرفة الواقع إلى قدرة على تغييره؛ يجعل التعليم فعل وجود وصمود، والإنسان غايته، والمعرفة قدرته وسيادته، والعدالة شرطه، والمعلم شريكا في صنعه، والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في خدمة إنسانيته، والذاكرة أساس تراكمه، والشراكة طريقا إلى قراره الرشيد.

وتتجسد قوة هذا الخطاب حين تنتقل البوصلة من الفكرة إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى القرار، ومن القرار إلى الممارسة والأثر، ثم تعود الخبرة والمعرفة الجديدة لتجدد البوصلة. عندها يغدو الخطاب التربوي ممارسة وطنية متعلمة، قادرة على صناعة المستقبل وصياغة شروطه.

فالتعليم حق نصونه، وقدرة نبنيها، ومعرفة ننتجها، وكرامة نحميها، ومستقبلا نصنعه.

 

 

 

 

 

 

المراجع

International Labour Organization, & UNESCO. (1966). ILO/UNESCO recommendation concerning the status of teachers. https://www.ilo.org/ilo-unesco-recommendation-concerning-status-teachers-1966

Miao, F., Holmes, W., Huang, R., & Zhang, H. (2021). AI and education: Guidance for policy-makers. UNESCO. https://discovery.ucl.ac.uk/id/eprint/10130180/

UNESCO. (2016). Education 2030: Incheon Declaration and Framework for Action for the implementation of Sustainable Development Goal 4 . https://www.uis.unesco.org/sites/default/files/medias/fichiers/2025/08/education-2030-incheon-framework-for-action-implementation-of-sdg4-2016-en_2.pdf

UNESCO. (2017). A guide for ensuring inclusion and equity in education. https://www.unesco.org/en/node/196871

 

 

العنوان

رام الله ، فلسطين

البريد الإلكتروني

pec@pal-pec.ps

رقم الهاتف

West Bank +97022965610, Gaza +97082826313